الأحد، ١٢ أغسطس ٢٠٠٧

فقه الأولويات

بسم الله الرحمن الرحيم



هذه الدراسة التي أقدمها والتي قام بها الدكتور يوسف القرضاوي تتحدث عن موضوع أعتبره غاية في الأهمية هو ( فقة الأولويات ) لأنه يعالج قضية اختلال النِّسب واضطراب الموازين - من الوجهة الشرعية - في تقدير الأُمور والأفكار والأعمال، وتقديم بعضها على بعض، وأيها يجب أن يُقدّم، وأيها ينبغي أن يُؤخَّر،وسوف احاول ان اوجز ما قاله الدكتور فى نقاط : -


تمهيد


القيم والأحكام والأعمال والتكاليف متفاوتة في نظر الشرع تفاوتاً بليغاً، وليست كلها في رتبة واحدة، فمنها الكبير ومنها الصغير، ومنها الأصلي ومنها الفرعي، ومنها الأركان ومنها المكملات، ومنها ما موضعه في الصلب، وما موضعه في الهامش، وفيها الأعلى والأدنى والفاضل والمفضول.


وقد كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين كل الحرص على أن يعرفوا الأَوْلى من الأعمال، ليتقرَّبوا إلى الله تعالى به - عن عمرو بن عَبَسة -رضي الله عنه- قال: قال رجل:يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال : (أن يسلم لله قلبك، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك؟ قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: (الإيمان)، قال: وما الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت) قال: فأيّ الإيمان أفضل؟ قال: (الهجرة)، وقال: وما الهجرة؟ قال (أن تهجر السُّوء)، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: (الجهاد)، قال: وما الجهاد؟ قال (أن تقاتل الكفار إن لقيتهم)، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: (من عُقر جواده وأُهريق دمه).



ومن تتبع ما جاء في القرآن الكريم، ثم ما جاء في السنة المطهرة في هذا المجال، رأى أنها قد وضعت أمامنا جملة معايير لبيان الأفضل والأولى والأحب إلى الله تعالى من الأعمال والقيم والتكاليف، وبيان ما بينها من تفاوت كبير، وذكرت بعض الأحاديث نسبة، مثل


(صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ (الفرد) بسبع وعشرين درجة)، (سبق درهم مائة ألف درهم)، (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه)، (إن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً).


وفي الجانب المقابل وضعت معايير لبيان الأعمال السيئة، كما بينت تفاوتها عند الله، من كبائر وصغائر، وشبهات ومكروهات، وذكرت أحياناً بعض النسب بين بعضها وبعض، مثل (درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم، أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية).وحذَّرت من أعمال اعتبرها شراً من غيرها، وأسوأ مما سواها، مثل حديث: (شر ما في الرجل، شُحٌ هالع وجُبنٌ خالع).(شر الناس: الذي يسأل بالله، ثم لا يعطي).(شرار أُمتي: الثرثارون المتشدقون المتفيهقون، وخيار أُمتي: أحاسنهم أخلاقاً).(أسرق الناس: الذي يسرق صلاته، لا يتم ركوعها ولا سجودها، وأبخل الناس: مَن بخل بالسلام).



اختلال ميزان الأولويات في الأمة


من نظر إلى حياتا في جوانبها المختلفة - مادية كانت أو معنوية، فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها - وجد ميزان الأولويات فيها مختلاً كل الاختلال.نجد في كل أقطارنا العربية والإسلامية مفارقات عجيبة:ما يتعلق بالفن والترفيه مُقدَّم أبداً على ما يتعلق بالعلم والتعليم



إن نجوم المجتمع، وألمع الأسماء فيه، ليسوا هم العلماء ولا الأدباء، ولا أهل الفكر أو الدعوة ، بل هم الذين يسمونهم ( الفنانين والفنانات ) ولاعبو الكرة ، وأمثالهم .الصحف والمجلات، والتليفزيونات والإذاعات، لا حديث لها إلا عن هؤلاء وأعمالهم ( وبطولاتهم ) ومغامراتهم وأخبارهم مهما تكن تافهة، أما غيرهم فهم في ظل الظل، بل في أودية الصمت والنسيان.يموت الفنان، فترجّ الأرض لموته، وتمتلئ أنهار الصحف بالحديث عنه.ويموت العالم أو الأديب أو الأستاذ الكبير ، فلا يكاد يحس به أحد!وفي الجانب المالي : تُرصد المبالغ الهائلة ، والأموال الطائلة للرياضة والفن ورعاية الإعلام وحماية أمن الحاكم، الذي يسمونه زوراً ( أمن الدولة ) ولا يستطيع أحد أن يعارض أو يحاسب: لِمَ هذا كله؟في حين تشكو الجوانب التعليمية والصحية والدينية والخدمات الأساسية، من التقتير عليها، وادعاء العجز والتقشف إذا طلبت بعض ما تريد لتطوير نفسها، ومواكبة عصرها، فالأمر كما قيل: تقتير هنا، وإسراف هناك! على نحو ما قاله ابن المقفع قديماً: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانبه حق مضيع!


إخلال المتدينين اليوم بفقه الأولويات


ولا يقف الإخلال بالأولويات اليوم عند جماهير المسلمين، أو المنحرفين منهم ، بل الإخلال واقع من المنتسبين إلى التدين ذاته ، لفقدان الفقه الرشيد، والعلم الصحيح .



ومما وقع فيه المسلمون في عصور الانحطاط ولا زال قائماً إلى اليوم:



أ نهم أهملوا - إلى حد كبير - فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأُمة: كالتفوق العلمي والصناعي والحربي، الذي يجعل الأمة مالكة لأمر نفسها وسيادتها حقاً وفعلاً، لا دعوى وقولاً . . ومثل الاجتهاد في الفقه واستنباط الأحكام، ومثل نشر الدعوة إلى الإسلام، ومثل إقامة الحكم الشورى القائم على البيعة والاختيار الحر، ومثل مقاومة السلطان الجائر، والمنحرف عن الإسلام، ناهيك بالمعادي له!


وأهملوا بعض الفرائض العينية، أو أعطوها دون قيمتها، مثل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي قدَّمها القرآن على الصلاة والزكاة في وصف مجتمع الإيمان. قال تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة . . . ) (التوبة: 71)، وجعلها السبب الأول في خيرية الأمة: ( كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران: 110) ، وجعل إهمال هذه الفريضة عند بني إسرائيل سبيلاً إلى لعنتهم على لسان أنبيائهم ( لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهَون عن منكرٍ فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون ) (المائدة: 78، 79).

واهتموا ببعض الأركان أكثر من بعض، فاهتموا بالصوم أكثر من الصلاة، فلهذا لم يكد يوجد مسلم مفطر في نهار رمضان ولا مسلمة. وخصوصاً في القرى والريف، ولكن وُجِد من المسلمين - والمسلمات خاصة - من يتكاسل عن الصلاة، ووُجِد من ينقضي عُمره دون أن ينحني لله راكعاً ساجداً، كما أن أكثر الناس اهتموا بالصلاة أكثر مما اهتموا بالزكاة، مع أن الله تعالى قرن بينهما في كتابه الكريم في (28) موضعاً، حتى قال ابن مسعود: أُمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومَن لم يزك فلا صلاة له!.وقال الصِّدِّيق أبو بكر: والله لأُقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، وأجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، كما قاتلوا أدعياء النبوة ومن اتبعهم من المرتدين، وكانت الدولة المسلمة أول دولة في التاريخ تقاتل من أجل حقوق الفقراء!


واهتموا ببعض النوافل أكثر من اهتمامهم بالفرائض والواجبات، كما هو ملاحظ عند كثير من المتدينين، الذين أكثروا من الأذكار والتسابيح والأوراد، ولم يولوا هذا الاهتمام لكثير من الفرائض، وخصوصاً الاجتماعية، مثل: بر الوالدين؟ وصلة الأرحام، والإحسان بالجار، والرحمة بالضعفاء، ورعاية اليتامى والمساكين، وإنكار المنكر، ومقاومة الظلم الاجتماعي والسياسي.


واهتموا بالعبادات الفردية، كالصلاة والذِكْر، أكثر من اهتمامهم بالعبادات الاجتماعية التي يتعدى نفعها، كالجهاد، والفقه، والإصلاح بين الناس، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالصبر والمرحمة، والدعوة إلى العدل والشورى، ورعاية حقوق الإنسان عامة، والإنسان الضعيف خاصة.


وأخيراً أهتم كثير من الناس بفروع الأعمال، وأهملوا الأصول، مع قول الأقدمين: من ضَّيع الأصول، حُرِم الوصول. وأغفلوا أساس البناء كله، وهو العقيدة والإيمان والتوحيد، وإخلاص الدين لله.


ومما وقع فيه الخلل والاضطراب: اشتغال كثير من الناس بمحاربة المكروهات، أو الشبهات، أكثر مما اشتغلوا بحرب المحرَّمات المنتشرة، أو الواجبات المضيعة، ومثل ذلك: الاشتغال بما اختلف في حِلِّه وحُرمته عما هو مقطوع بتحريمه. وهناك أناس مولعون بهذه الخلافيات، مثل مسائل التصوير والغناء والنقاب ونحوها، وكأنما لا هم لهم إلا إدارة المعارك الملتهبة حولها، ومحاولة سَوْق الناس قسرا إلى رأيهم فيها، في حين هم غافلون عن القضايا المصيرية الكبرى التي تتعلق بوجود الأمة ومصيرها وبقائها على الخريطة.



ومن ذلك: انصراف الكثيرين إلى مقاومة الصغائر مع إغفال الكبائر الموبقات، سواء أكانت موبقات دينية، كالعرافة، والسحر، والكهانة، واتخاذ القبور مساجد، والنذر، والذبح للموتى، والاستعانة بالمقبورين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وكشف الكربات: ونحو ذلك مما كدر صفاء عقيدة التوحيد. أم موبقات اجتماعية وسياسية، مثل: ضياع الشورى، والعدالة الاجتماعية، وغياب الحرية، وحقوق الشعوب، وكرامة الإنسان، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، وتزوير الانتخابات، ونهب ثروة الأمة، وإقرار الامتيازات الأسرية والطبقية، وشيوع السرف والترف المدمر.هذا الخلل الكبير الذي أصاب أمتنا اليوم في معايير أولوياتها، حتى أصبحت تُصغِّر الكبير، وتُكبِّر الصغير، وتُعظِّم الهين، وتُهوِّن الخطير، وتُؤخِّر الأول، وتُقدِّم الأخير، وتهمل الفرض وتحرص على النفل، وتكترث للصغائر، وتستهين بالكبائر، وتعترك من أجل المختلَف فيه، وتصمت عن تضييع المتفَق عليه .. كل هذا يجعل الأمة اليوم في أمَسِّ الحاجة - بل في أشد الضرورة - إلى " فقه الأولويات "، لتُبدئ فيه وتُعيد، وتناقش وتحاور، وتستوضح وتتبين، حتى يقتنع عقلها، ويطمئن قلبها، وتستضيء بصيرتها، وتتجه إرادتها بعد ذلك إلى عمل الخير وخير العمل.


وللموضوع بقية إن شاء الله تعالى

ليست هناك تعليقات: